مذكرات فتاة عشرينية 1

قبل 3 سنوات لم أكن مشوشة كما أنا الان ، كنت فارغة من الداخل ، إهتماماتي لم تتعدى  حائط غرفتي ورواياتي ..منذ أن ودعت رقم "واحد" الذي يقف على ٱستحياء جانب الرقم الاخر من عمري ، و أنا أعاني من التفكير المتواصل الذي يفسد علي متعة عيش  اللحظة ، الأن أصبحت صبية عشرينية جاهزة للحب والحياة ،لدي ما يكفيني من الخبرة العاطفية التي ٱكتسبتها في فترة المراهقة ، بعد سلسلة من العلاقات الوهمية مع الممثل و المغني ، ورجل عشوائي رأيته صدفة في محل التسوق ، ثم أصبح بطل نصوصي الركيكة  والكذبة اللذيذة التي أسردها على صديقاتي ،الأن لدي القدرة لأندفع في علاقة حب جديدة مع رجل حقيقي أستطيع أن ألمسه ، أحادثه، أضحك معه على الأشياء الساخرة التي لا يفهمها إلا العباقرة ، لم أتصور أن تكون هذه الأحلام محض كومة من الخردة التي لا تلفت إنتباهي ، أدركت أنها لن تتجاوز شاشة الهاتف المحمول وكل موعد وقبلة و ضحكة و حتى النظرة ستكون مجرد بيانات تأخد الحيز الأكبر من ذاكرة الجهاز ، وتأخد قلبي كله
  الرقم إثنان ....هو المرحلة التي تحولت فيها إلى صبية أخرى متعبة ، بينما تشتغل الفتيات في عمري ،بقصة حب مليئة بالهدايا و الغزل ، و يحددن جدولا مناسبا لمتابعة المسلسلات، يجتمعن حول المجلات و طلاء الاظافر ، يناقشن قضايا مصيرية بين وسامة هذا الممثل و جمال صوت الاخر ... وجدتني وحيدة تماما عن هذا العالم الوردي .. هذا السن تحديدا للحياة، للحب، للجنون ، لكل شئ عدا الشيخوخة المبكرة، قلبي صار مجعدا كتفاحة متعفنة لا تغري أحد .. وهذا البياض الذي يفترض أن يكون فستان يزينه جسدي ، صار منسدلا على أكتافي كظفيرة  متعرجة ، لا أدري متى تعثرت خطواتي في سلم العمر وأصبحت كبيرة  إلى هذا الحد  المخيف ... جل ما أعرفه هو أني كبرت كثيرا  حتى تقلت علي أحلامي وتساقطت مني ،تركتني وحيدة ، أتمدد في سريري كالمومياء ، يخاف منها النوم فيهرب بعيدا .. في هذه الفترة من حياتي ، وبعد أن فقدت أملي بأن يكون لدي أصدقاء حقيقيون يتقبلونني كما أنا ، دون معرفتهم بأني بنت فلان أو فلانة ، يصادقونني  كأي فتاة عادية ، دون الحاجة لأن يستغلونني أو يستبدلونني بأخرى تضحك على  سخافات الأشياء و تتظاهر بأنها مهتمة بتوافه الأمور ، حاولت أن أعوض نقصي بعلاقات إفتراضية عشوائية .......
كنت أنا الصبية التي تبقى في المنزل تقرأ لميلان كونديرا أو لسلسلة من سلاسل هاري بوتر أثناء المناسبات والاعراس ، بينما تتسابق لها الصبيات في عمري ليتحولن فيها إلي عارضات أزياء يعرضن خبراتهن في صب الشاي وتقديمه و رعاية الأطفال ،ومدى مصادقتهن لامرأة خمسينية لديها إبن أعزب وسيم ، لتكون الخطوة الأولى لهن وربما الأخيرة في محاولة عيش الحب والحياة      
    كنت أنكمش في غرفتي أستمع الموسيقى وأتناول الكتب بنهم شديد  ،كلما أرهقني الصمت نثرث ثرثرتي في شبكات التواصل ، أرتب زحمة أفكاري في سطور طويلة لا أحد  لديه الرغبة والصبر لقرائتهما حتى النقطة الأخيرة . ماعدا "ندى" كانت تقرائني بنهم وتترك لي تعليقا عميقا في نهاية كل نص ، نسخة جديدة من الصبيات  لم أرى مثلها إلا في شاشات التلفاز ..لربما كانت مختلفة لأنها عاشقة لثقافة الكورية واليابانية و أصبحت مثلهم .         ثار في رأسي صراع عنيف  بدأت أتحدث إلى نفسي كثيرا حيث أحسست أن في داخلي أخرى تناقضني في كل شئ ، شابة غاضبة ساخطة ، ثائرة على كل شئ ، حاولت ترويضها بالتجاهل والإنشغال  بالكتابة أو في أعمال المنزل لكنها تظهر أمامي كالشبح فتربكني لأوشك على السقوط .    
    اختي أحست بالتغير الذي بدأ يأكلني  فحدثثني ذات ليلة بقلق تضخم حين أجبتها بسؤال  :"واش حاسة بلي حنا عايشين الحياة ديال بصح؟!" .........  إنهالت علي بالنصائح رغم صغر سنها  و بدأت تلوم الافلام الاجنبيه و المسلسلات الدرامية التي عبتث برأسي لتملأه بالافكار الخبيثة ،ثم اوصتني بالصلاة  ووضعت بين يدي المصحف    
    اتذكر تلك الليلة، لم أنك كنت فيها أقرب ما يكون إلى الله  وأناقة مائلة الظهر في سجدة طويلة أرسلت له دعوات فيها من الذل و الوجع ماتنفطر له الاحجار لاول مرة أبكي  إلى هذا الحد الذي ٱهتزت فيه أوصالي رجوته أن يخلصني من عذابي  ويعيدني إلى الصبية التي كنت عليها من ذي قبل  .. قبل كل هذا الصراع والتشثث .
   تمنيت لو أن الامر بسيط كما تراه أختي ، تمنيت لو أني فتاة لاشئ يثير إهتماماتها أكثر من التسوق أو طلاء الاظافر ، ترى في حياتها الفارغة نوعا من الترف والدلال ، تقضى وقتها في متابعة المسلسلات  الدرامية ، تندفع عاطفيا مع أحداثها كما لو كانت واقعا تعيشه ، فتاة تختار أن ترهق أقدامها بالتنقل في محل ملابس لأخر  بحثا عن مقاس يناسب شحمها بدلا عن ممارسة الرياضة رغم أن التعب واحد .  
     فتاة تشتم كل النساء السافرات و تقلدهن في الازياء والمساحيق و صبغات الشعر ، فتاة بلا طموح ، ولا حلم ..خاوية من كل شئ عدا السعرات الحرارية التي تحشو بها معدتها بحجة الملل . تمنيت لو أني فتاة بريئة لا تعرف عن أسرار الحياة أكثر من الطريقة التي يأتي بها الاطفال إلى الدنيا ، فتاة ساذجة تفتخر بالنقص الذي ألصقوه  بها كركن من العقيدة  تعتذر بكونها ذرة ،جوهرة ،أو حلوى مغلفة ..لم تكتشف أنها إنسانة ... فتاة لاتكتب شيئا ،لا تقرأ شيئا ، عدا ما يتداول من رسائل في الواتساب ، فتاة طيبة جدا ترى الوطن أرضا خضراء مستهدفة  ، تمنيت لو أني فتاة عادية لم تقرأ لم تكتب ولم تكتشف الخدعة الكبيرة التي تسقط فيها منذ أن إنقطع الحبل السري بينها وبين الجنة
      لكن بعد كل هذا التمني لم أتغير ، بقيت فتاة مزدحمة بالإستفهامات التي لا يجوز طرحها ... لماذا ؟!  و كيف ؟! و متى !؟ و الكثير من المقارنات التي  بدأت تعصف بداخلي و تجعلني أنقرض أكثر مع الايام .. لم تعد المجلات مغرية للتصفح و أصبحت برامج التلفزيون التقليدية تثير صراعي أكثر .  هل هذا مايريده الله لنا ؟؟ هل مايحدث لأن هو الشكل الطبيعي للحياة ؟ ماذا لو أردت شكلا أخر لحياتي !! هل يهز هذا إيماني بالقضاء و القدر ؟!                                        كنت صبية تهدر وقتها و إنتظارها  بأبجدية كتبتها بماء الذهب ؛ رسائل غرامية  و نصوص غارقة بالحب من أجل رجل لم أعرفه بعد ،  وبينما أنا عاطلة عن الحياة و أمارس هذا الغباء ، كان هو في الطرف الآخر من الأرض يعيش حياته بكاملها . كل رسالة حب كتبها لم تكن لي ، كل ليلة قضاها بالسهر أثناء محادثة هاتفية طويلة لم أكن أنا في الطرف الآخر من السماعة .. كل الاشياء المجنونة التي قام بها لم تكن من أجلي .. كانت من أجل فتاة أخرى ، ٱختارت أن تتخلى. عن حماقة الانتظار  وتعيش حياتها كما تشتهي وترغب دون أن تقيد نفسها  بشخص غريب لا تدري ما إذ كان سيأتي أم لا     إمرأة فكرت كالرجال،  وتصرفت كسيدة  كنت من فرط سخافتي  ، لا أريد أكثر من رجل فقط بلا مزايا ، لم يكن لدي مشكلة بأن أستند على عكاز الحظ ، أرتبط برجل لا أعرف عنه شيئا ، رغم أني في كل مرة يداهم قلبي فيها رجلا إفتراضي بتعليق أو سؤال يتركه على صفحتي ، كنت أتصفحه بعناية و حرص شديدين ،قبل أن أكتب له رفضي بلطف .                      كنت نقية بشأن من سيكون حبيبي و عشوائية تماما بشأن من سيكون زوجي .. رغم أن الاخر سأقضي معه ما تبقى من حياتي ، بينما الاول هو محض فترة مؤقتة ستمضي حتما .                  أما الان ، فلا شئ يخيفني أكثر من الارتباط برجل تقليدي ،بحث، ذوقه ردئ في الملابس و الكلمات ، ونظرته للحب لا تتجاوز السرير و الطعام ، رجل بليد ، لا مشكلة لديه بأن يفوت ولادة طفلنا الأول أو ذكرى زواجنا من أجل مبارة فريقه المفضل ، لا يقرأ ،لا يكتب ، لا يتحدث شعرا ، لا يمارس الرياضة  ، ليس لديه ما يفعله في وقت فراغه عدا التمدد و حشو معدته بالدهون ، يخجل من مناداتي حبيبتي  ويستبدلها بكلمات خاوية من المشاعر مثل : "هاديك ها" "مولات دار"  ، ممل ، تصرفاته متوقعة ، لا يعرف كيف يدهشني  حتى في أبسط الاشياء كالكلمات الغزلية ، لا يراني أكثر من كائنة تطبخ له في النهار و تدلله في الليل ، ومابين الاثنين أكون "لاشئ      رجل كهذا أمل أن يكون قد ٱنقرض             بعد تخرجي من  السلك الثانوي ، أصبحت كائنا محشو بالقدرات العظيمة ، أردت أن ألتخق بالمعهد الثقافي و التنشيط المسرحي .. لكن والدتي رفضت رفضا تاما .. بحجة أن هذه المهن لا تذر دخلا  قارا  ، ثم قررت الالتحاق بجامعة أقل ما يمكن القول عليها أنها بااائسة                   ومع مرور الأيام إنطفأت الشعلة بداخلي و أصبحت معطلة ، شمرت عن ساعدى و بدأت أهرب من البكاء والإكتئاب إلى الكتابة ، حتى لم تعد يدي تعرف شيئا سوى القلم و لوحة مفاتيح الحاسوب .كنت أعود في نهاية اليوم إلى السرير مرهقة أرمي رأسي على المخدة ، كنت أستهلك طاقتي بمراجعة الدروس للامنتهية ثم بمسح الأرضية و غسل الاطباق و ترتيب الفوضى التي تخلفنها إخواتي وأحتفظ  بجزء قليل منها يكفيني لأغلق نور غرفتي و أرفع الغطاء ثم أتقوس أسفله ،.                 ٱجتاح قلبي حزن كبير منعني عن الدخول في شبكات التواصل ، حيث يكون الناس فيها كلهم سعداء سيؤلمني  أن أرى صبية بمثل عمري بدأت مشروعا بتشجيع من أفراد أسرتها ، وأخرى ٱلتقطت صورة أخيرة للوطن في المطار قبل أن تغادر لتكمل دراستها في الخارج ، وأخرى أصدرت كتابا  والكثير من الأخبار التي تزيد من شعوري بالتعاسة .... أكثر ما ألمني هو أني كنت مؤمنة بقدرتي على النجاح ، وطار هذا الإيمان مع الرياح ، صار التبرير الوحيد لإستمراري في العيش هو أني مضطرة  وليس لأني أريد ، وهذا الأمر أشد بؤسا من التشرد و الضياع ، فكل مشرد  و ضائع يستيقظ كل يوم من أجل شئ.. إما للبحث عن لقمة العيش أو لإيجاد هدف ..... و أنا أستيقظ لأفعل أشياء لا رغبة  لي فيها ، و لم أختارها منذ البداية ، فقط لأستمر
      في اللاشئ  الذي يراه الآخرون "حياة" .
يتبع

Commentaires

  1. عزيزتي الكاتبة ، كنت على وشك ان اذهب للنوم ، فاذا بي دخلت الى الى الفيس لأجد هذا النص الطويل. .. انا فعلا احببت ما كتبتي من كل قلبي ، ما كتبت و ما رويت دليل على ان لديك مستقبل مجهول لا تعرفين عنه بعد شيئا . و انا كقارءة لا علاقة لها بالقراءة و المطالعة .. اتمنى لك ان تكملي مسيرتك في هذا المجال وهو الكتابة، لقد كان محقا عندما عرض عليك المساعدة في نشر كتاب خاص بك .
    كل شخص في هذا العالم ولد و ترعرع في وسط تحيط به اشياء تجعله محبا لها ، لا يستطيع ان يبتعد عنها ، و في حالتك، الكتب . يجب ان تعملي على هذا الجانب منك .. انت تحبين الكتابة ، و تعرفين كيف تصيغين افكارك بطريقة جميلة ، انا شخصيا اتمنى ان اقرا كتابا لك يوما ما ، لطالما ساعدتني في كتابة رسائلي و مقالاتي في كتابي الاخضر. ..
    عزيزتي الكاتبة ، لا تتسرعي، كما تقولين لي دائما :
    Let love find you
    عموما و كما تعرفين انت لازلت شابة .. أظن أنه فقط التعب الذي جعلك تفكرين بهذه الطريقة ، سوف يأتي يوم و تضحكين على ما كتبتي و تقولي : '' انا كنت أفكر هكذا ! '' هذه ستبقى روايات فقط لاحفادنا أن شاء الله تعالى
    دعي الوقت يصلح كل شيء
    BE HAPPY

    RépondreSupprimer
  2. Ce commentaire a été supprimé par l'auteur.

    RépondreSupprimer
  3. le commentaire a été partager deux fois .... je l ai supp

    RépondreSupprimer

Enregistrer un commentaire