مذكرات فتاة عشرينية 2
حزينة جدا ... ليس لأني كسرت ظفري أو قصصت شعري أكثر من اللازم ، حزينة لأني لن أستطيع الإستيقاظ في يوما ما والخروج للجري حول الحي قبل أن يحين موعد العمل ، لأني لن أجرب لذة الوقوع في الحب دون الخوف أو الشعور بالخيانة لتربيتي و عقيدتي لأن كل إنجازاتي خارج حدود المطبخ لن تثير إعجاب أمي ، لأن لن أستطيع -بين زحمة إنشغالاتي- الهروب على متن طائرة لقضاء بعض الوقت وحدي في مكان هادئ، لأني إكتشفت أن كل السنين التي أمضيتها في مسيرتي التعليمية لا تعني أني سأحصل على وظيفة رائعة . حزينة أكثر لأني مجبرة على التعايش مع هذاالحال والرضى بهذا النقص ، فيدي الصغيرة لن تحدث أي تغيير أمام كل هذه الحواجز والعقبات التي تقيدني عن ممارسة الحياة ، صرت نسخة مكررة عن العديد من الصبيات . لا أحد يشعر بوجع الصبية العزباء ...التي دائما يستخف بأحزانها وهمومها،فقط لأنها لا تتعلق برجل لا يبالي و أطفال كالشياطيين الصغيرة التي لا تهدأ أبدا . أتذكر في كل مرة أتعرض فيها لضغط نفسي ، جعلني أتغيب عن الدراسة ، كانت المعلمة تسخر مني حين أتعلل بالإنشغال ،أو أقول لها أني كنت متعبة نفسيا ، تسألني من ماذا ؟! من أطفالك ؟! .. حتى زميلات الدراسة حين يظهر عليّ الضيق و الكدر أول مايتبادر في أذهانهن الصغيرة هو "غايكون غا صاحبها لي مطلع ليها الدم " . دائما هناك رجل ، إنه الركيزة الأساسية لكل شئ يتعلق بك لا أعرف من أعطاه هذه العظمة ودسه في مجرى خلايا كل إمرأة ،جعله يتمدد في عقلها حتى ٱستولى عليه تماما ،أصبح كعامود الخيمة التي لا يستقيم به كل شئ ، دونه أنت مجرد قطعة قماش مطوية ومركونة في مخزن يكسوه الغبار ، لذا فقد كان الزواج بوابة الحياة للمرأة ، ولا يتم هذا إلا عن طريق الرجل ،هو من يبادر و يأتي ليطرق الباب وماعليك أنت إلا أن تصلي من أجل أن تعجبيه ،لتبدأ حياتك فعليا ، وتكبرين في ليلة واحدة ... ليلة واحدة تصبحين فيها إمرأة معترف بوجودها و يكون لأحزانك كيان و قيمة .
يا للسخرية : يولد رجالنا للعيش، وتولد نساؤنا للانتظار ، إنتظار الفرص ، الحب ،الحياة ،وإذ كنت شابة قد أشقاها الإنتظار وأرادت التحرر من هذا النمط المتوارث من الحياة ، عوقبت بالنبذ ، كأن الله خلقنا نحن النساء للعذاب المستمر المتواصل ، وكل محاولة منها للحياة هي خيانة الديانة والعرف ، لا أحد يعرف كم يكون مرهق أن تحمل على ظهرك سمعة أشخاص لا تشاركهم في شئ عدا خواتم الأسماء ، أن تضطر للتخلص من أحلامك البيضاء لتحافظ على هذا الحمل الثقيل من التشوه ، هذه الأجساد التي تتذوق الموت أثناء ولادة حياة جديدة ، وتتجرع السم في كل شهر ،الأجساد التي تعصف بها العواطف و تؤذها الكلمات المؤنفة كالسهام من أين لها القوة والصبر لتتعامل مع هذا الكم الهائل من التعب ؟!
وبينما تحاول إمرأة أربعينية لف رأسها ب "السبنية
" في أول الصباح ، هناك في جهة أخرى من الأرض إمرأة أربعينية شقراء تمشط شعرها إستعداد للهرولة حول حديقة الحي ... لا عجب أن نساؤنا تشيخ بسرعة ، وفي خضم معركتي مع النفس ، غرقت بين صفحات الكتب المسربة في الشبكة العنكبوتية أحاول أن أجد فيها ضالتي ، بدأت مع مرور الوقت أفقد إحساسي بكل شئ حولي حتى نسيت كيف يكون الحب !! و لعل السبب الوحيد الذي يفسر عطالتي عن الحب هو رؤيتي المختلفة تماما عن الإرتباط العاطفي ، كل ما يفعله الأخرون هذه الأيام -الذين يسمون أنفسهم عشاقا- هو التظاهر أمام الناس بأنهم كائنات فارغة من الحب ، عاجزين عن الإفصاح بأنهم غير متوفرين عاطفيا إلى في شبكات التواصل . لا أحد لديه الجرأة الكافية ليقول أنا أحب فلانة إلا في تغريدات و نصوص الكتب في السر و تمرر من تحت الطاولة . لا أريد رجلا يعيشني في الخفاء يخجل من الإعتراف بي أمام الأخرين كحبيبته يسعى جاهدا ليناصفها الحياة ، لا تغريني التغريدات و لا القصائد ، ولن يشعرني بالتميز إذ كنت ملهمتك السرية حتى وإن أصدرتني في دواوين غرامية دونت فيها كل ماعدا إسمي ، أريد رجلا يفخر بي ويقول : هذه حبيبتي التي ستنجب لي أطفالي ، رجل يدوس بقدميه على كل عادة جاهلية متوارثة من أجلي لأنه يؤمن بأنني متميزة ، رجل عظيم أكثر مايقلقه هو ألا ينال إستحسان والدي ، كنت مؤمنة بأن قصصنا الغرامية مجرد تجارب ، كلنا نبحث عن الغرباء حين نفكر بالإستقرار و تأسيس عائلة . وهذا ما سيحدث حقا بعد سنوات ربما قليلة أو كثيرة ،سأصبح زوجة رجل غريب ، وسيكون المكان الأول الذي يجمعني بيه هو السرير ،وسأنجب أطفال كالشياطيين الشقية ،. مع مرور الوقت سأفقد رشاقتي وقدرتي على الكتابة لأنني مشغولة بملاحقة الصغار كي ينعم والدهم بنومة هادئة بعد ظهيرة عمل شاق ، سأبكي و أنا أعد الطعام ، سأبكي و أنا أقوم بأعمال المنزل ، سأبكي إلى جانب زوجي الذي منعه الشخير عن الإحساس بي ، وستمضي الايام ، ويكبر الصغار ،.و ينخرطون في مشاغل الحياة ، فيتركون المنزل لي ولوالدهم الذي أصبح صديقي الوحيد الذي نتشارك الدواء والمواساة . كانت هذه قناعتي التي طوقت قلبي بها كدرع حماية من كل عاطفة حمقاء لا تعي البيئة التي حولها ، هذه التربة التي تسير فوقها أقدامنا غير صالحة للحب ، حتى و إن أثمر فيها و أصبح له وريقات خضراء يانعة فهي معرضة للقطع أو الإقلاع وإلى أن يصل إلى هذه المرحلة من الإخضرار و التورد فهو بحاجة إلى رعاية خاصة ، تتطلب الكثير من الظلام و الجدران والطاولات ليخبأ أسفلها و خلفها و مابينها ، هكذا ..كالخطايا السوداء . أتذكر قبل سنوات ماضية ،كيف كنت أستمتع بالثرثرة المليئة بالغيبة التي تدور بيني وبين الصبيات على طاولة نشرح فوقها نصف الحاضرات ، ومن ثم نتبادل السلام والأحضان مع إحدى الضحيات يأياد ملطخة بالدم و إبتسامات عريضة . أتذكر كم كانت همومنا صغيرة و ساذجة أقصى أمانينا رجل تتحقق على يديه كل أحلامنا التي تزاولها النساء الأخريات كروتين طبيعي للحياة ، كنت في تلك التي أراها الأن نعيما مسلوبا مني في راحة و سعادة عظيمة كانت تكفيني دعوة مستهلكة تقولها لي صديقة كمحاولة لطيفة لإنهاء شكواي، تكفيني جلسة حول مكسرات و أكواب شاي مع صديقاتي لأنسى كل الهموم المتراكمة في صدري مثل كومة قطن من الغبار والجراثيم ، كنت بسيطة و عادية ، ولا أحتاج لهذا الكم الهائل من الكتب كي أحشر نفسي بين سطورها وأترامى في صفحاتها لأنسى ...... كنت سعيدة . سعيدة لدرجة التي لم أكن أرى كل هذا السواد الواضح أمام عيني الأن ، كل هذا النقص ، الحرمان ، الجوع للحياة . لا تتحدث عن الملل وأنت لم تجرب البقاء بين أربع جدران لأيام طويلة فقط لأنك سافرت قبل شهرين ويفترض أن يستمر شعورك بالفرح لمدى العمر ، لا تتحدث عن الحزن وأنت لم تجرب أن تكون أبسط رغباتك تحت رحمة شخص يهتم بالمباريات والخروج مع رفاقه أكثر من أي شئ أخر ، لا تتحدث عن القهر وأنت لم تجرب أن تكون روحك رخيصة محرم أو غطاء وجه ، لا تتحدث عن التعب وأنت لم تجرب أن تظل غارقا بين المقررات الدراسية ، لا تتحدث عن الألم وأنت لم تجرب أن تتعطل حياتك من أجل شخص لا تعرفه وقد يكون في الطرف الآخر من الأرض يعيش حياته كما يشتهي ويرغب ، لا تتحدث عن الشعور بالنقص و أنت لم تجرب أن تصنف ككائن ناقص الدين والعقل ، لا تتحدث عن الوجع و أنت لم تجرب أن تعاني الأمرين كل شهر ، لا تتحدث عن الخوف و أنت لم تجرب أن تكون مضطرا للحفاظ على تاريخ حياتك من الدنس والخطايا التي لا تمحوها الصلوات ... كممارسة الحب !! كنت أرى في حياتي البائسة شكلا طبيعيا للعيش و كأنها إرادة الله وليس لي الحق في رفضها أو التصرف بها، في كل مرة أشهر بعدم الرضى أستغفر بإسراف و كأني إقترفت ذنبا من الكبائر .. ليتني ما عرفت الحقيقة ، ربما أكون الأن رغم كل الدمار المحيط بي في أقصى درجات السعادة ، وجودي في مكتبة الجامعة الأن جعلني أرى نفسي القديمة ، و كأنها تتمشى أمام عيني . تلك الفتاة المرحة التي ٱعتقدت أنها بمجرد أن تطأ قدماها الجامعة ستصبح أكثر سعادة كما تراها في الأفلام ، تلك التي كانت لا تعي شئ تريد فقط أن تعيش حياة تتوسطها علاقة غرامية مع شاب جامعي تنتهي بالزواج كاالمسلسلات الأمريكية .. لقد رأيت فيها الإمتلاء الفارغ ، رأيت الإبتسامات التي أستخدمها مع المارين أمامي لأتناسى واقع حصة متابعة بها بعد ساعة من الأن رأيت البساطة والراحة ، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تعي تماما دورها في هذه الحياة، راضية بأن تقيد مواهبها و إبداعتها حول جدران المطابخ وأن تكون المساحة الوحيدة في هذه الأرض التي تمنحها الحرية الكاملة بأن تكون من تشاء هي سرير مزدوج . "بشرى" كانت بمثابة مرأتي التي أبوح لها بأسراري ، وكل فكرة عنيدة داهمت شعوري بالراحة والرضى ، لم أكن أخجل منها لأني أعرف أنها لن تطلق علي الأحكام وتتهمني بالخيانة للديانة فقط لأني خالفت السائد وفكرت في لحظة ... صوتها الطري الرنان لا يزال يرن في أذني حين كانت تشاركني الشتائم والدعوات السوداء على كل من حال بيني و بين ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي بعيدا عن هذا التشوه و المساخة ، تشاركني الأفكار المجنونة ، النوم على كنبة واحدة و هي ثثرثر مع صديقها لغاية تالتة صباحا بينما أنا كنت أتخبط يميناً و شمالا في دوامة من الإستفهامات المحظورة . كانت تعيش حياتها ببساطة رغم عرقلة المشاكل و العقبات التي كانت تواجهها . أخبرتني أنها تحلم أن تؤسس جمعية للأطفال المتخلى عنهم و أيضا. الهجرة إلى موطنها الأصل : إيطاليا ... السبب ؟! أنها وطن العشاق . رغم كل علاقاتها الغرامية الفاشلة لم تتشوه نظرتها للحب ولا تزال مؤمنة أن هناك رجل واحد في هذا العالم ينتظر هطولها على قلبه ، هذا ما دفعني لإستعادة شكاوي صديقاتي من الرجال في وقت الفسحة و حصص الفراغ مابين المحاضرات . كن يشتمن الحب بأبشع الكلمات ،يبكين حتى ترتجف أطرافهن الغضة ، تخرج الواحدة منهن من العلاقة ،فاشلة ، فتاة ساخطة على الحب ، غاضبة على الرجال ، ربما لأنها أرادت علاقة ملحمية، متل الحكايا الخرافية ، ٱكتشفت في الأخير أن فارسها مجرد رجل عادي غاضب و يستاء و يشعر بالضجر منها في لحظات ، أو ربما لأن الكبرياء منعها من الإعتراف بأنها مذنبة بهذا الفشل العاطفي لذا هي تلوم الرجل ، وتعلم في هذه الحالة أنها ستجد من تُمد لها ذراعيها و تشاركها البكاء و الشتائم . لا أعلم متى سيحين الوقت الذي تتنازل فيه الصبيات عن هذا الغرور و يقتنعن أنهن من البشر ، و لسن ملائكة يُسخر الرجال من أجلهن ، أجسادهم لصلوات الشكر و الحمد عليهن ، إستيقظي يا صديقتي الجميلة ، هذا زمن المشاركة في كل شئ حتى العواطف التي تبخلين بها عليها ، لزعمك أن مجرد وجودك في حياته هو أمر كافي ... حاولي ولو لمرة التوقف عن إنتظار إتصاله و رسائله و بادري بها أنت ، تنازلي عن كبريائك في لحظات الخصام وٱعتذري أولا ، كوني طيبة و سامحيه من أول محاولة منه ليكسب رضاك مهما كانت ساذجة ، تجاوزي عن زلاته و هفواته الصغيرة وتقبلي جانبه الذكوري الخشن ، الذي يظهر حين يلعب ألعاب الفيديو أو أثناء متابعته لمباراة رياضية و جانبه الطفولي حين متابعته لإحدى السلسلات اليابانية . ذهب الزمن -أو ربما لم يأتي يوما- الذي تجلسين فيه بغرور رافعة قدم فوق الأخرى ثم تتوثعين منه أن يجثو على ركبتيه مثل أمير شهم ويرفع إليك كل ما ترغبين في طبق من ذهب ، ولو كنت مؤمنة بأنك تستحقين هذا الدلال الكثير لأي سبب سواء كان الجمال أو النسب ، فإستيقظي يا جميلتي ، الأن الصبيات الجميلات ذوات النسب المرموق في كل مكان كالهواء تماما ، و الحب صار أبسط من شرب الماء و أرخص من الخبز و لربما يوزع مجانا .. فإما أن تكوني طرفا نشيطا في العلاقة ، تقدمي الحب ، كما تستقبيلنه وتعيشين حياة سعيدة مع هذا الرجل الذي تخلى عن حريته من أجلك ، و إلا إستعدي من الأن لسهرة مبيت مع صديقاتك المدلالات الأخريات ،تتناولن فيها الشوكولاتة و المثلجات ، وتشتمتن الرجال والحب . ولا أدري قد يكون الرجال فعلا بهذه القسوة فأنا لم أنسى أبدا الذكرى المؤلمة التي خلفها لي إحداهم ،كجرح رطب في قلبي يأبى الجفاف والتقشر ، يؤذني كلما ٱنحدرت عليه دمعة مالحة من عيني . أرخيت ظهري على الكرسي ثم أطلقت تنهيدة عميقة لأتخفف من هذا الهم الذي ٱستوطن صدري ، هذا الإختلاف موجع وليس مغر أن تكون اللون الشاذ في الصورة , أرى وجوه الصبيات مزهرة بالإبتسامات النضرة مفعمة بالحيوية، وأرى إنعكاس وجهي على مرأة النافذة مثيرا للشفقة ،كل هذا الإزدحام من الفرح زادني شعورا بالوحدة و النبذ ، لم أكن مغرية لأكون رفيقة ... أجلس وحدي و بجانبي فنجان قهوة بارد و بين أصابعي قلم لا ينفك عن الكتابة . يتبع
يا للسخرية : يولد رجالنا للعيش، وتولد نساؤنا للانتظار ، إنتظار الفرص ، الحب ،الحياة ،وإذ كنت شابة قد أشقاها الإنتظار وأرادت التحرر من هذا النمط المتوارث من الحياة ، عوقبت بالنبذ ، كأن الله خلقنا نحن النساء للعذاب المستمر المتواصل ، وكل محاولة منها للحياة هي خيانة الديانة والعرف ، لا أحد يعرف كم يكون مرهق أن تحمل على ظهرك سمعة أشخاص لا تشاركهم في شئ عدا خواتم الأسماء ، أن تضطر للتخلص من أحلامك البيضاء لتحافظ على هذا الحمل الثقيل من التشوه ، هذه الأجساد التي تتذوق الموت أثناء ولادة حياة جديدة ، وتتجرع السم في كل شهر ،الأجساد التي تعصف بها العواطف و تؤذها الكلمات المؤنفة كالسهام من أين لها القوة والصبر لتتعامل مع هذا الكم الهائل من التعب ؟!
وبينما تحاول إمرأة أربعينية لف رأسها ب "السبنية
" في أول الصباح ، هناك في جهة أخرى من الأرض إمرأة أربعينية شقراء تمشط شعرها إستعداد للهرولة حول حديقة الحي ... لا عجب أن نساؤنا تشيخ بسرعة ، وفي خضم معركتي مع النفس ، غرقت بين صفحات الكتب المسربة في الشبكة العنكبوتية أحاول أن أجد فيها ضالتي ، بدأت مع مرور الوقت أفقد إحساسي بكل شئ حولي حتى نسيت كيف يكون الحب !! و لعل السبب الوحيد الذي يفسر عطالتي عن الحب هو رؤيتي المختلفة تماما عن الإرتباط العاطفي ، كل ما يفعله الأخرون هذه الأيام -الذين يسمون أنفسهم عشاقا- هو التظاهر أمام الناس بأنهم كائنات فارغة من الحب ، عاجزين عن الإفصاح بأنهم غير متوفرين عاطفيا إلى في شبكات التواصل . لا أحد لديه الجرأة الكافية ليقول أنا أحب فلانة إلا في تغريدات و نصوص الكتب في السر و تمرر من تحت الطاولة . لا أريد رجلا يعيشني في الخفاء يخجل من الإعتراف بي أمام الأخرين كحبيبته يسعى جاهدا ليناصفها الحياة ، لا تغريني التغريدات و لا القصائد ، ولن يشعرني بالتميز إذ كنت ملهمتك السرية حتى وإن أصدرتني في دواوين غرامية دونت فيها كل ماعدا إسمي ، أريد رجلا يفخر بي ويقول : هذه حبيبتي التي ستنجب لي أطفالي ، رجل يدوس بقدميه على كل عادة جاهلية متوارثة من أجلي لأنه يؤمن بأنني متميزة ، رجل عظيم أكثر مايقلقه هو ألا ينال إستحسان والدي ، كنت مؤمنة بأن قصصنا الغرامية مجرد تجارب ، كلنا نبحث عن الغرباء حين نفكر بالإستقرار و تأسيس عائلة . وهذا ما سيحدث حقا بعد سنوات ربما قليلة أو كثيرة ،سأصبح زوجة رجل غريب ، وسيكون المكان الأول الذي يجمعني بيه هو السرير ،وسأنجب أطفال كالشياطيين الشقية ،. مع مرور الوقت سأفقد رشاقتي وقدرتي على الكتابة لأنني مشغولة بملاحقة الصغار كي ينعم والدهم بنومة هادئة بعد ظهيرة عمل شاق ، سأبكي و أنا أعد الطعام ، سأبكي و أنا أقوم بأعمال المنزل ، سأبكي إلى جانب زوجي الذي منعه الشخير عن الإحساس بي ، وستمضي الايام ، ويكبر الصغار ،.و ينخرطون في مشاغل الحياة ، فيتركون المنزل لي ولوالدهم الذي أصبح صديقي الوحيد الذي نتشارك الدواء والمواساة . كانت هذه قناعتي التي طوقت قلبي بها كدرع حماية من كل عاطفة حمقاء لا تعي البيئة التي حولها ، هذه التربة التي تسير فوقها أقدامنا غير صالحة للحب ، حتى و إن أثمر فيها و أصبح له وريقات خضراء يانعة فهي معرضة للقطع أو الإقلاع وإلى أن يصل إلى هذه المرحلة من الإخضرار و التورد فهو بحاجة إلى رعاية خاصة ، تتطلب الكثير من الظلام و الجدران والطاولات ليخبأ أسفلها و خلفها و مابينها ، هكذا ..كالخطايا السوداء . أتذكر قبل سنوات ماضية ،كيف كنت أستمتع بالثرثرة المليئة بالغيبة التي تدور بيني وبين الصبيات على طاولة نشرح فوقها نصف الحاضرات ، ومن ثم نتبادل السلام والأحضان مع إحدى الضحيات يأياد ملطخة بالدم و إبتسامات عريضة . أتذكر كم كانت همومنا صغيرة و ساذجة أقصى أمانينا رجل تتحقق على يديه كل أحلامنا التي تزاولها النساء الأخريات كروتين طبيعي للحياة ، كنت في تلك التي أراها الأن نعيما مسلوبا مني في راحة و سعادة عظيمة كانت تكفيني دعوة مستهلكة تقولها لي صديقة كمحاولة لطيفة لإنهاء شكواي، تكفيني جلسة حول مكسرات و أكواب شاي مع صديقاتي لأنسى كل الهموم المتراكمة في صدري مثل كومة قطن من الغبار والجراثيم ، كنت بسيطة و عادية ، ولا أحتاج لهذا الكم الهائل من الكتب كي أحشر نفسي بين سطورها وأترامى في صفحاتها لأنسى ...... كنت سعيدة . سعيدة لدرجة التي لم أكن أرى كل هذا السواد الواضح أمام عيني الأن ، كل هذا النقص ، الحرمان ، الجوع للحياة . لا تتحدث عن الملل وأنت لم تجرب البقاء بين أربع جدران لأيام طويلة فقط لأنك سافرت قبل شهرين ويفترض أن يستمر شعورك بالفرح لمدى العمر ، لا تتحدث عن الحزن وأنت لم تجرب أن تكون أبسط رغباتك تحت رحمة شخص يهتم بالمباريات والخروج مع رفاقه أكثر من أي شئ أخر ، لا تتحدث عن القهر وأنت لم تجرب أن تكون روحك رخيصة محرم أو غطاء وجه ، لا تتحدث عن التعب وأنت لم تجرب أن تظل غارقا بين المقررات الدراسية ، لا تتحدث عن الألم وأنت لم تجرب أن تتعطل حياتك من أجل شخص لا تعرفه وقد يكون في الطرف الآخر من الأرض يعيش حياته كما يشتهي ويرغب ، لا تتحدث عن الشعور بالنقص و أنت لم تجرب أن تصنف ككائن ناقص الدين والعقل ، لا تتحدث عن الوجع و أنت لم تجرب أن تعاني الأمرين كل شهر ، لا تتحدث عن الخوف و أنت لم تجرب أن تكون مضطرا للحفاظ على تاريخ حياتك من الدنس والخطايا التي لا تمحوها الصلوات ... كممارسة الحب !! كنت أرى في حياتي البائسة شكلا طبيعيا للعيش و كأنها إرادة الله وليس لي الحق في رفضها أو التصرف بها، في كل مرة أشهر بعدم الرضى أستغفر بإسراف و كأني إقترفت ذنبا من الكبائر .. ليتني ما عرفت الحقيقة ، ربما أكون الأن رغم كل الدمار المحيط بي في أقصى درجات السعادة ، وجودي في مكتبة الجامعة الأن جعلني أرى نفسي القديمة ، و كأنها تتمشى أمام عيني . تلك الفتاة المرحة التي ٱعتقدت أنها بمجرد أن تطأ قدماها الجامعة ستصبح أكثر سعادة كما تراها في الأفلام ، تلك التي كانت لا تعي شئ تريد فقط أن تعيش حياة تتوسطها علاقة غرامية مع شاب جامعي تنتهي بالزواج كاالمسلسلات الأمريكية .. لقد رأيت فيها الإمتلاء الفارغ ، رأيت الإبتسامات التي أستخدمها مع المارين أمامي لأتناسى واقع حصة متابعة بها بعد ساعة من الأن رأيت البساطة والراحة ، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تعي تماما دورها في هذه الحياة، راضية بأن تقيد مواهبها و إبداعتها حول جدران المطابخ وأن تكون المساحة الوحيدة في هذه الأرض التي تمنحها الحرية الكاملة بأن تكون من تشاء هي سرير مزدوج . "بشرى" كانت بمثابة مرأتي التي أبوح لها بأسراري ، وكل فكرة عنيدة داهمت شعوري بالراحة والرضى ، لم أكن أخجل منها لأني أعرف أنها لن تطلق علي الأحكام وتتهمني بالخيانة للديانة فقط لأني خالفت السائد وفكرت في لحظة ... صوتها الطري الرنان لا يزال يرن في أذني حين كانت تشاركني الشتائم والدعوات السوداء على كل من حال بيني و بين ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي بعيدا عن هذا التشوه و المساخة ، تشاركني الأفكار المجنونة ، النوم على كنبة واحدة و هي ثثرثر مع صديقها لغاية تالتة صباحا بينما أنا كنت أتخبط يميناً و شمالا في دوامة من الإستفهامات المحظورة . كانت تعيش حياتها ببساطة رغم عرقلة المشاكل و العقبات التي كانت تواجهها . أخبرتني أنها تحلم أن تؤسس جمعية للأطفال المتخلى عنهم و أيضا. الهجرة إلى موطنها الأصل : إيطاليا ... السبب ؟! أنها وطن العشاق . رغم كل علاقاتها الغرامية الفاشلة لم تتشوه نظرتها للحب ولا تزال مؤمنة أن هناك رجل واحد في هذا العالم ينتظر هطولها على قلبه ، هذا ما دفعني لإستعادة شكاوي صديقاتي من الرجال في وقت الفسحة و حصص الفراغ مابين المحاضرات . كن يشتمن الحب بأبشع الكلمات ،يبكين حتى ترتجف أطرافهن الغضة ، تخرج الواحدة منهن من العلاقة ،فاشلة ، فتاة ساخطة على الحب ، غاضبة على الرجال ، ربما لأنها أرادت علاقة ملحمية، متل الحكايا الخرافية ، ٱكتشفت في الأخير أن فارسها مجرد رجل عادي غاضب و يستاء و يشعر بالضجر منها في لحظات ، أو ربما لأن الكبرياء منعها من الإعتراف بأنها مذنبة بهذا الفشل العاطفي لذا هي تلوم الرجل ، وتعلم في هذه الحالة أنها ستجد من تُمد لها ذراعيها و تشاركها البكاء و الشتائم . لا أعلم متى سيحين الوقت الذي تتنازل فيه الصبيات عن هذا الغرور و يقتنعن أنهن من البشر ، و لسن ملائكة يُسخر الرجال من أجلهن ، أجسادهم لصلوات الشكر و الحمد عليهن ، إستيقظي يا صديقتي الجميلة ، هذا زمن المشاركة في كل شئ حتى العواطف التي تبخلين بها عليها ، لزعمك أن مجرد وجودك في حياته هو أمر كافي ... حاولي ولو لمرة التوقف عن إنتظار إتصاله و رسائله و بادري بها أنت ، تنازلي عن كبريائك في لحظات الخصام وٱعتذري أولا ، كوني طيبة و سامحيه من أول محاولة منه ليكسب رضاك مهما كانت ساذجة ، تجاوزي عن زلاته و هفواته الصغيرة وتقبلي جانبه الذكوري الخشن ، الذي يظهر حين يلعب ألعاب الفيديو أو أثناء متابعته لمباراة رياضية و جانبه الطفولي حين متابعته لإحدى السلسلات اليابانية . ذهب الزمن -أو ربما لم يأتي يوما- الذي تجلسين فيه بغرور رافعة قدم فوق الأخرى ثم تتوثعين منه أن يجثو على ركبتيه مثل أمير شهم ويرفع إليك كل ما ترغبين في طبق من ذهب ، ولو كنت مؤمنة بأنك تستحقين هذا الدلال الكثير لأي سبب سواء كان الجمال أو النسب ، فإستيقظي يا جميلتي ، الأن الصبيات الجميلات ذوات النسب المرموق في كل مكان كالهواء تماما ، و الحب صار أبسط من شرب الماء و أرخص من الخبز و لربما يوزع مجانا .. فإما أن تكوني طرفا نشيطا في العلاقة ، تقدمي الحب ، كما تستقبيلنه وتعيشين حياة سعيدة مع هذا الرجل الذي تخلى عن حريته من أجلك ، و إلا إستعدي من الأن لسهرة مبيت مع صديقاتك المدلالات الأخريات ،تتناولن فيها الشوكولاتة و المثلجات ، وتشتمتن الرجال والحب . ولا أدري قد يكون الرجال فعلا بهذه القسوة فأنا لم أنسى أبدا الذكرى المؤلمة التي خلفها لي إحداهم ،كجرح رطب في قلبي يأبى الجفاف والتقشر ، يؤذني كلما ٱنحدرت عليه دمعة مالحة من عيني . أرخيت ظهري على الكرسي ثم أطلقت تنهيدة عميقة لأتخفف من هذا الهم الذي ٱستوطن صدري ، هذا الإختلاف موجع وليس مغر أن تكون اللون الشاذ في الصورة , أرى وجوه الصبيات مزهرة بالإبتسامات النضرة مفعمة بالحيوية، وأرى إنعكاس وجهي على مرأة النافذة مثيرا للشفقة ،كل هذا الإزدحام من الفرح زادني شعورا بالوحدة و النبذ ، لم أكن مغرية لأكون رفيقة ... أجلس وحدي و بجانبي فنجان قهوة بارد و بين أصابعي قلم لا ينفك عن الكتابة . يتبع
Commentaires
Enregistrer un commentaire