Accéder au contenu principal
نحن مرضى أبا عبد الله
- أريد أن أتكلم, أفضفض, ألقي كل القذارة التي بداخلي كي أستطيع التخلص منها .. هل لي بذلك؟ أم لابد من مقدمات؟
= مممم .. ليس شرطا .. تفضلي .
- أكره المقدمات..عند قدومنا للعالم لم نجد مقدمة, أتينا هكذا دون أن يستشيرنا أحد.. لم يأخذ أحد رأينا, وجدنا أنفسنا هنا فجأة دون أي مقدمات.. فتعايشنا, من قال أننا نعيش ؟ نحن نتعايش .. نتعايش مع كل شيء ..مع آباءنا, إخوتنا, أصدقاءنا, جيراننا, نتعايش مع البلد الذي نتواجد فيه, مع سكانه و طرقاته و عمرانه و زحمته, مع سياسته و قوانينه, مع أفكاره و تقاليده مع ترابه و كل القضايا التي يدافع عنها .. نحبه مرغمين فنسميه "وطن" نعتبره أعداءه أعداء لنا, دون أن نفكر إن كنا لعدونا الحق في كرهنا.. نحن نتعايش أ با عبد اللله و رغم أن الأمر صعب إلى أننا نجحنا في ذلك .
= أتعتقدين أننا حقا نجحنا في ذلك؟
- لم ننجح في التعايش لكننا حتما نجحنا في التظاهر بذلك ..
نحن في عصر التظاهرأ با عبد اللله , الموظف يتظاهر أنه سعيد عندما يقبض مرتبه في أول الشهر بينما يتذمر كل صباح من الروتين و يلعن مديره في العمل .
الطالب يتظاهر بالفرح وهو يأخذ صورة تذكارية مع عائلته في حفل التخرج و بداخله حيرة لا آخر لها حول مستقبله و ما سيؤول إليه مصيره للحصول على عمل ..
الفنانة المشهورة تتظاهر بالسعادة و هي تلبس فستانا من تصميم أشهر مصممي الأزياء و تضع عطرا غاليا و أحمر شفاه بماكياج صارخ تخبئ به كآبتها و حزنها ثم تنتحر في الليلة الموالية .. الأم تتعب طوال النهار من أشغال البيت و تربية الأولاد و شراء حاجيات المطبخ و و الغسيل و تحضير الطعام لكنها بالليل يجب أن تتظاهر بالحركة و النشاط و الحيوية حتى ترضي زوجها كي لا يخونها مع أخرى أكثر شبابا منها !
نحن مرضى أ با عبد اللله.. كلنا مرضى نفسيون لا علاج لنا سوى الانقراض .. أ هذا ما جئنا لأجله؟ نمضي سنيننا الأولى في عالم مثالي, براءة طفولة شقاوة لطيفة.. لا نكف أثناء ذلك من طرح الأسئلة : أبي.. أبي, كيف جئت للعالم؟ أمي من هو الله؟ أين يوجد ؟ لماذا لا نراه ؟ أبي ما معنى كلمة جنس؟ أبي .. كيف ولدت؟ أمي ما هذا الذي بين فخذاي ؟ و لماذا لا تملك أختي مثله؟ .. أسئلة كثيرة لا أحد يجيبنا عنها .. إلى أن نصل لمرحلة نبدأ فيها في البحث عن أجوبة لوحدنا .. و هناك نصطدم بالواقع, نجد أجوبة تحيلنا على أسئلة أخرى و نبقى في دوامة لا تنتهي حينها فقط نعلم أن الجنس هو ما يحكم العالم و أن ذاك العضو الذكري الذي بين فخدي الرجل هو بطل الحكاية و هو ما يجعله أفضل من المرأة و تحت سيطرتها في الوقت نفسه. ! نكبر لنجد أن شعوبا أخرى في مكان بعيد عنا تعبد إلها غير الذي نعبه و تعتنق أديانا غير الدين الذي نؤمن به و نظل نتساءل, أ هي صدفة جغرافية أم نحن حقا شعب الله المختار و نحن من سيحظى بحصة الأسد في جنة عرضها السماوات و الأرض .. حيرة أ با عبد اللله . حيرة لا نهاية لها !
نتلقى في صغرنا دروسا عن حب الوطن, ندرس تاريخه, نحفظ أناشيده و نُغنّيها في طابور الصباح بكل حرارة, نستظهر في الفصل " أرسم علمي .. فوق القمم .. أنا فنان" ثم تسألنا المعلمة " ماذا تريد أن تصير عندما تكبر؟" فيجيبها أحدنا " أريد أن أصير فنانا" و يرد الآخر : أريد أن أصير مهندسا " و تصيح الأخرى " عندا أكبر سأصبح طبيبة" .. ثم نكبر و نجد أن وطننا يحارب الفن بشدة, و أنك لكي تلج لمدارس الهندسة عليك أن تحصل على مجموع ما اكبر من إمكانياتك بكثير , و أن الطب في هذا الوطن بحاجة لطبيب يعالجه .. فنصبح بعد أن كنا نردد أناشيد الوطن نحفظ أغاني الغربة ونحلم بتذكرة سفر بعيدا عنه بلا عودة .
نحن مرضى أ با عبد اللله, مرضى بالنفاق .. ُأدخل على حساباتنا في مواقع التواصل الاجتماعي و سترى ذلك . كل واحد هناك يدعي أنه مهم و أن حياته مهمة و أنه محور الكون.. كل واحد هناك صنع له عالما يفر إليه من خبث واقعه . كلٌّ هناك يدّعي المثالية و الكمال , يضع أجمل صورة له على البروفايل , ينشر اقتباسات عميقة كي يظهر جانبه المثقف, يقول رأيه و يعبر عن غضبه في قضايا تافهة لا أحد يريد أن يعرف شيئا عنها .. ينتقض لباس هذا و حجاب تلك و يقول على من هو أقل منه " قادوسيا" و يلقب الفتاة البسيطة ب"الفاتيفلوغ" كأنه وصل للحقيقة , كأنه منزه عن الخطأ .
نحن مرضى يا سالم, لست أبالغ في ذلك, ماذا تسمي من يرسل لفتاة لا يعرفها رسالة في الخاص: أختي صححي حجابك. و في الليل يشاهد أفلاما جنسية حتى جعل بلادنا بين الدول الأكثر زيارة للمواقع الإباحية؟ ماذا تسمي من يكلم فتاة لا يعرفها عبر مواقع التواصل الاجتماعي و حين لا ترد على مضايقاته يرسل لها صورة لعضوه الذكري و يسألها بكل وقاحة " ما رأيك؟" ماذا تسمي من يعلق على صورة فتاة ب " استري نفسك و عورتك أختاه" و عندما ينزل لشارع لا يكف عن التحرش بكل بنت تصادفه؟ ماذا تسمي من تدعي الثقافة و الدفاع عن حقوق النساء و تطالب بالمساواة بين الجنسين و تترأس على الفايسبوك مجموعات نسوية لتحسين وضعية المرأة, ثم تشتم في الحافلة ولدا رآها واقفة و لم يتنازل لها عن مقعده ! ماذا تسمي من يغوي حبيبته لتذهب معه لغرفته التي يكتري فوق السطح للضرورة الغرائزية و يقسم أن يذبح أخته إن هي تأخرت عن موعد قدومها للبيت بنصف ساعة ..
نحن كائنات فوضوية.. عبثية .. نحن أطفال شخنا قبل الأوان, أ لم تلاحظ أن جيلنا – جيل الثمانينات و التسعينات- أصبح يعيد توزيع و غناء أغاني الكرتون القديمة؟ لماذا في نظرك؟ إنه الحنين أ با عبد اللله .. إنه الطفل الذي بداخلنا لم يكبر بعد و لا يريد ذلك ! لقد خدعتنا سبيستون كنا نظن أن الحياة الوردية هناك هي نفسها في الواقع, كنا نظن أن الخير ينتصر على الشر و أنه في كل مشكلة أو مصيبة أو كارثة سيظهر البطل الخارق لينقذ الكوكب من الأشرار .. لكن البطل الخارق كان مجرد أسطورة, و الشر هو من ينتصر الآن أ با عبد اللله .
عالمنا اليوم, يحكمه البترول و الدولار .. يحكمه المال و الشهرة و الجنس .. عالمنا اليوم يحكمه السلاح ! كل شيء يمشي عكس المنطق, فأغنى القارات تعوم في الفقر و الجوع و أفقر القارات تسبح في الزهد و الرخاء و شروط العيش الكريم.
أخبرونا أننا كعرب, قضيتنا الأوحد التي تجمعنا جميعا هي القدس و الأراضي الفلسطينية المحتلة, كبرنا أ با عبد اللله و لن نعد ندري مع من نتوحد و ضد من سنقف, لم تعد فلسطين قضيتنا الأوحد و أصبحت عقولنا هي المحتلة .أ با عبد اللله.. كثرت اختلافاتنا و ضاعت وحدتنا .. و ضاعت القضية !
قول معايا أ با عبد اللله:
" أنا كائن عربي . سطحي . عنصري. أحب المظاهر . و أتظاهر بالعمق"
Articles les plus consultés
ما احمد الله عليه هو أنني خلقت و ترعرعت في الدين الاسلامي و كل التساؤلات التي كانت عندي فهي طبيعية لطبيعة الإنسان التحليلية ... فهي شئ عادي
RépondreSupprimerأما بالنسبة لهذا التناقض الذي تتسم به العقول اليوم فهو نابع من عدم الوعي رغم أن هذا العالم لا يوفر لنا كل ما حلمنا به و نحن صغار لكن كما ذكرت نحن فقط نتعايش و نقبل الوضع كما هو
شكرا على ما كتبت